السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

92

مفاتيح الأصول

كان فالتحقيق أن المجاز مقدم على النّقل عند التّعارض وأمّا تأييد النقل بما تقدّم إليه الإشارة فمعارض بما ذكره العلامة في التهذيب في مقام الاستدلال على ترجيح المجاز فقال المجاز أولى من النقل لتوقف النقل على اتفاق أهل اللَّسان عليه بخلاف المجاز وبأصالة بقاء المعنى اللَّغوي وعدم هجره وبقاء مجازية المعنى المبحوث عنه مفتاح إذا دار الأمر بين المجاز والإضمار كما في قوله تعالى واسأل القرية فإنه يحتمل إرادة الأهل من القرية مجازا وإضمار لفظ الأهل فالمعتمد عند ترجيح المجاز لغلبته وقد مرّ أنها تفيد الترجيح وعلى هذا يندفع القول بترجيح الإضمار كما عليه بعض والقول بالتّساوي كما عليه العلامة في التهذيب وأمّا ما احتج به الأوّل من كون الإضمار من محاسن الكلام دون المجاز ومن احتياج المجاز إلى الوضع والعلاقة دون الإضمار فضعفه ظاهر كضعف ما استدل به في التهذيب على التّساوي بينهما من احتياج كلّ منهما إلى قرينة صارفة والإنصاف أن المسألة غير خالية عن الإشكال مفتاح إذا دار الأمر بين الإضمار والنقل كما في قوله تعالى حرم الربا فإنه يحتمل أن يكون الربا باقيا على حقيقة اللَّغوية وهي مطلق الزّيادة ويضمر أخذ الزّيادة فيحرم دون أصل العقد ويحتمل صيرورة لفظ الربا حقيقة شرعية في العقد المخصوص فيحرم أصل العقد فصرّح العلامة في التهذيب بأولوية الإضمار على النقل واحتج عليه بتوقف النّقل على اتفاق أهل اللَّسان عليه بخلاف الإضمار وفيه نظر ولو قيل بترجيح النقل لكثرته لم يكن بعيدا إلَّا أني لم أعثر على قائل به مفتاح إذا دار الأمر بين الإضمار والاشتراك كما في قوله تعالى واسئل القرية فإنه يحتمل إضمار لفظ الأهل ويحتمل اشتراك لفظ القرية بين الحال والمحلّ وصرّح في التهذيب بترجيح الإضمار لكونه أكثر فائدة وأقلّ مفسدة من الاشتراك لأنه من باب الإيجاز الذي هو من محاسن الكلام وانتفاء الإجمال معه غالبا لتعين المضمر إمّا لوحدته أو لتبادره ولو قيل بأصالة إضمار جميع الوجوه فليس له إجمال بالذات أصلا كما لا يخفى وليس كذلك المشترك فيكون ذلك أولى بالترجيح لأن كثرة الفائدة أمارة الغلبة وهي أمارة الرّجحان وفيه نظر بل المسألة غير خالية عن الإشكال من إمكان دعوى غلبة المشترك حتى أن جماعة من الأصوليين جعلوه أولى من المجاز ومن أنّه لم يظهر قائل منّا بترجيح المشترك لا يقال القائل بترجيحه على المجاز يرجّحه على الإضمار لأنا نقول هذا غير معلوم وإنّما هو استنباط قول من قول آخر فلا يلتفت إليه فتأمل مفتاح إذا دار الأمر بين النقل والاشتراك كما في قوله عليه السلام الطَّواف بالبيت صلاة فإنه يحتمل أن يكون لفظ الصّلاة منقولا إلى المعنى الشّرعي فيجب الطَّهارة في الطَّواف قضاء لحق المشابهة ويحتمل أن يكون مشتركا بين المعنى اللَّغوي والشرعي فلا يجب فيه الطهارة لاحتمال إرادة المعنى اللَّغوي الغير المشترط بالطَّهارة كما يحتمل إرادة المعنى الشرعي المشترط بها فيكون مجملا لتساوي الاحتمالين فاختلف فيه الأصوليون على قولين الأول أنّ الاشتراك أولى وهو للعلَّامة في النهاية وحكي عن بعض الثاني أن النقل أولى وهو للعلامة في التهذيب والمبادي والسيّد عميد الدّين وصاحب غاية البادي والبيضاوي والأصفهاني والمحكي عن الرازي وهذا القول لا يخلو عن قوّة لمصير المعظم إليه ولإمكان دعوى أغلبيّة النقل وأما دعوى أغلبيّة الاشتراك فضعيفة جدّا لا يقال قد أنكر كثير من المحققين النّقل دون الاشتراك فيكون هو أولى بالترجيح لأنا نقول لا نسلَّم أن مجرّد ذلك يفيد الأولوية سلمنا ولكن نقول إن أريد أن أكثر المحققين أنكروا مطلق النقل فهو ممنوع بل الظاهر اتفاق المحققين على وجود النقل في الجملة وليس كذلك الاشتراك فإن المانع من وجوده موجود فإذن يلزم على ما ذكرت ترجيح النقل وإن أريد أن أكثر المحققين أنكروا النقل في لفظ الصّلاة المفروض في المثال في زمان الشارع فهو ممنوع أيضا بل الظاهر مصير أكثرهم إلى ثبوته سلمنا ولكن نقول لم نجد قائلا باشتراك اللفظ المذكور بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي في زمن الشارع سلمنا ولكن غاية ما يلزم ترجيح الاشتراك في خصوص المثال وهو لا يفيد أمرا كليّا فإن قلت لا قائل بالفصل بين المثال وغيره إذ كلّ من رجّح الاشتراك هنا رجّحه مطلقا قلنا ذلك غير معلوم ومع ذلك فهو معارض بصورة مصير أكثر المحققين إلى النقل دون الاشتراك كما في لفظ الصلاة في زمن المتشرّعة فإن الأكثر صاروا إلى نقله إلى المعنى الشرعي في هذا الزّمان فإنه يلزم بمقتضى ما ذكرت ترجيح النقل حينئذ ولا قائل بالفصل وحيث حصلت المعارضة وجب الترجيح ومن الظاهر أن التّرجيح مع الأخير ولا يقال النقل يتوقف على نسخ الوضع الأول ولا كذلك المشترك فهو يوافق أصالة بقاء الوضع الأوّل والنّقل يخالفه ولا شك أن ما يوافق الأصل أولى مما يخالفه لأنا نقول لا نسلَّم إفادة ذلك الأولوية ومع ذلك فهو معارض يتوقف المشترك في إفادة المراد على القرينة دون النقل لأن وجود القرينة خلاف الأصل قطعا ولا يقال المشترك مع عدم القرينة يتوقف فيه ويؤخذ بالاحتياط ومعها لا يشتبه المقصود ولا كذلك النّقل فإنه مع عدم القرينة يحمل على المعنى الأوّلي بتوهم عدم النّقل فالأول أولى لأنا نقول ذلك لا يفيد الأولويّة ومع ذلك فالاشتراك مع عدم القرينة يلزمه الإجمال وليس النقل كذلك فإنه لا إجمال فيه ومن الظاهر أن مفسدة الإجمال أعظم مما ذكر ولا يقال قد يحصل مفاسد الاشتراك في النقل فينضم إلى مفاسده الأصليّة مفاسد أخر وذلك فيما إذا توهّم